العودة إلى التدين الهادف
في ظروفٍ تُفاقم فيها الفقر والبطالة ویعاني الناس من الصعوبات الاقتصادية، يُصبح إعادة النظر في مفهوم التدين ضرورةً لا غنى عنها. ففي سورتي البلد والماعون، يُبيّن القرآن الكريم أن التدين يتجاوز الطقوس والشعائر الظاهرية، ويُركّز على تحرير الناس، ورعاية الجائعين والأيتام، ودعم المحتاجين، ونشر الصبر والرحمة. ويبلغ التدين غايته الحقيقية حين يُصبح قوةً لتكريم الإنسانية، وإقامة العدل، ومكافحة الفقر والتمييز، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية. إن تطوير المراكز الدينية وازدهار الاحتفالات الدينية، دون مراعاة معاناة المحرومين والمحتاجين، لا يمكن أن يحل محل المهمة الأخلاقية والاجتماعية للدين ويعتمد الاجتیاز من "عقبة السعادة" على التضامن الاجتماعي، والصدق، والأمانة، وخدمة الناس.
الکاتب: جليل بهرامي نيا
تمر بلادنا بوضع صعب، ومواطنونا في وضع أصعب؛ الموائد تتقلص يومًا بعد يوم، وفي المقابل يتزايد الحزن والاكتئاب وينتشران. لقد سلب حزن الفقر أو بؤس الفقراء الفرح والسعادة من قلوب العقلاء والحكماء! ولقد آن الأوان للمجتمع أن يعود إلى رشده، وأن يكف عن التذمر والجمود؛ ففي حالة الجمود، لا يقوى العقل على الحركة، ولا اللسان علی أداء الكلمة، ولا یستقیم الأمر للتنفيذ!
وفي الوقت نفسه، يحتاج الجزء المتدين المتقي والخائف من القیامة إلى إعادة صياغة مفهوم التدين، وتسخير المظاهر والطقوس الدينية لخدمة الأهداف الدینیة، وتحويل العبادة إلى مصدر قوة وعزيمة لاجتیاز عقبة السعادة، أو كما ورد في القرآن الكريم، "اقتحام العقبة"، وهو ما سيتحقق، وفقًا لتفسير القرآن نفسه، بالسعي لتحرير الناس، وإطعام الجياع، ورعاية الأيتام، ومساعدة المحتاجين، وأخيرًا، حثّ بعضهم بعضًا على الصبر والرحمة!
وكأن الله، في سورة البلد، يحذر عباده من أن التدين ليس مجرد أداء شعائر معينة، وحضور جماعات، والتردد على المساجد، وإذا لم تصبح العبادة قوة داخلية رحيمة بالناس، وعزمًا جادًا على تنمية المجتمع وخدمة الخلق، وتركيزًا على تعزيز الرحمة والتعاطف في حل مشاكل الناس، فهي مجرد قشرة خالیة من النواة ومظهر بلا نتاج!
وفي سورة الماعون عندما یتحدث القرآن الكريم بوضوح عن أن القسوة على الأيتام وإهمال الفقراء يُعدّان إنكارًا للبعث ودليلًا على فقدان الإيمان، فإنه في الحقيقة يُحذّر المسلمين، ولا سيما الحكام والأثرياء، من أن الإنسان ليس مجرد شخصية هامشية في مشروع التقوى، بل هو جدير بالتكريم، وتلبية احتياجاته، وتجنب وإرهاقه، وهي أهداف سامية ينبغي أن تكون أولوية في الأهداف التربوية للأسر الإسلامية والمؤسسات التعليمية! وعليه، فإن نمطًا من التقوى يهدف إلى اختزال الدين إلى مجرد طقوس وشعائر وألقاب ورموز دينية، دون احترام للإنسان، أو إقامة العدل، أو القضاء على الظلم والتمييز، أو التحلي بالضمير الحيّ والأمانة في إدارة الشؤون العامة، أو تجاهل صرخات المحتاجين، وأنين الأيتام، وأنين الآباء المضطهدین هذا النمط من الدین غريب جداً عن الإسلام القرآني ولن يكون له أثر في التنمية الشخصية أو النجاة في الآخرة. إن التركيز على تزيين المراكز الدينية، وتوسيع القباب، وبناء المآذن، وزيادة عدد المشاركين في الاحتفالات الدينية أمرٌ مُرضٍ دينياً ومُبهج للقلب عندما لا يكون هناك يتيم في جوارهم يبكي من الفقر، أو مريض عاجز لا يملك قوت يومه، أو أب مُنهك من الفقر والبطالة، ولا أحد يئن من ألم العجز المُدمر، ولا يبقى مُحبط وحزين.
ومن المنظور الديني، لا يُعدّ جوع المحتاجين وعجزهم نتاجًا لعدم مسؤوليتهم وسعيهم وراء الرخاء فحسب؛ بل إن جزءًا كبيرًا من هذا الوضع يعكس أيضًا فقرًا أخلاقيًا وروحيًا لدى من حولهم، وضعف عزيمتهم على اجتیاز عقبة السعادة. فلو لم نكن نحن، على هذا الجانب من العقبة، غارقين في تكديس الثروات، والمنافسة الاقتصادية، وتنافس الطموح، خالين من الصفات الدينية كالرغبة في خدمة الناس ودعم المحتاجين، ولم نكن بمعزل عن قيم بناء الحضارة كالتنمية، والنزاهة الإدارية، والحث على التضامن والإحسان، وريادة الأعمال، ودفع الزكاة، ومكافحة الفقر والتمييز، لما شهدنا كل هذه الدموع والآهات والابتهالات والندم!

الآراء